حسن حسني عبد الوهاب

77

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

وبالجملة فقد حصل لتراث الأغالبة - بعد انقراضهم - ما حصل لذخائر بني العباس لما استولى " هولاكو " كبير المغول على بغداد ، وساق جميعها إلى سمرقند ، وكما حصل لتركة المماليك ، لما فتح السلطان سليم الأول بلاد مصر وحمل طرائفها ونوادر كتبها إلى إسطنبول ، حيث هي الآن محفوظة في الخزائن العامة . ولا يبعد عندي أن الذي كلّف بنقل المجموعة المخلّفة عن الأغالبة إلى مكتبة العبيديين هو " يعقوب بن كلّس " ذلك الوزير اليهودي الأصل الذي أسلم على يد الفاطميين ، وكان في أول أمره يتعاطى الكتابة بدواوين الدولة الإخشيديّة ، هرب من مصر والتحق بالمعز لدين اللّه في المنصورية ، وأقام في خدمته أعواما إلى أن تحول معه إلى القاهرة سنة 362 ه - فرتّب يعقوب بن كلّس للخليفة الفاطمي الدواوين ، وقرّب إليه العلماء على اختلاف طبقاتهم وأجرى عليهم الأرزاق الطائلة ، وحبّب إلى الخليفة - العزيز باللّه - اقتناء الكتب ، فجمع منها جانبا كبيرا خصّص لها قاعات في القصر الملكي وسماها " خزانة الكتب " وقد ضاهت خزائن بغداد وقرطبة بل ربما فاقتها جميعا " 1 " . وبهذا الاعتبار يكون الأصل في الكتب المتجمّعة للفاطميين في القاهرة المعزية هو ما أخذوه من تراث الأغالبة " برقادة " مع ما أضيف إلى ذلك مما قدّمه إليهم الكتّاب والحكماء والأدباء من نفائس مؤلفاتهم مدة إقامتهم بإفريقية . علاوة على ما اقتنوه بالشراء والاستنساخ في المغرب والمشرق . ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن الفاطميين منذ قيامهم بالدعوة لآل البيت في المشرق ، كانت لهم عناية خاصة ورغبة في اكتساب الكتب - لا سيما ما يتعلّق منها بدعوتهم الشيعية وأخبار المذاهب الدينية الأخرى - فقد ملكوا منها قسطا عظيما اقتناه دعاتهم في اليمن وفي الشام والحجاز ولا سيما في مدينتي بغداد وسلمية . وها هو حاجبهم جعفر بن علي يخبرنا كيف ضاعت الكتب التي كانت مصاحبة

--> ( 1 ) ابن خلكان ج 2 ص 336 .